ابن يعقوب المغربي

490

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

الألوان أمور متقابلة فهي جزئية من جزئيات الطباق ، وخصت باسم التدبيج لتخيل وجود الألوان فيها كوجود الألوان بالمطر ، فالتدبيج الذي فيه الكناية ( نحو قوله ) أي قول أبي تمام يرثي رجلا مات في الجهاد ( تردى ) " 1 " أي : لبس من ترديت الثوب أخذته رداء ولبسته ( ثياب الموت ) أي لبس ثياب الموت ( حمرا ) أي : في حال كونها محمرة بالدم ، وهذا هو الذي يدل على أن المراد بالثياب الثياب الملطخة بالدم لا الثياب التي تلبس للحال ؛ لأن ذلك يحوج إلى جعل الحال الذي هو قوله حمرا حالا مقدرة ( فما أتى لها ) أي : فلم يأت لتلك الثياب ولم يدخل ( الليل إلا وهي ) أي : وتلك ( الثياب من سندس ) أي : من حرير تلك الثياب ( خضر ) فخضر خبر بعد خبر ؛ لأن القصيدة مضمومة الروي مثلها قوله : وقد كانت البيض القواضب في الوغى * بواتر وهي الآن من بعده بتر ومعنى البيت أن المرثي لبس الثياب الملطخة بالدم حين قتل ، ولم يدخل عليه الليل حتى صارت تلك الثياب من السندس وصارت خضرا ، فقد جمع بين لونين فقط ، والأول وهو حمرة الثياب كناية عن القتل لاستلزامه إياه عرفا مع قرينة السياق ، والثاني وهو خضرة الثياب كنى به عن دخول الجنة لما علم أن أهل الجنة يلبسون الحرير الأخضر ، وصيرورة هذه الثياب تلك عبارة عن انقلاب حال القتل إلى حالة النعمة بالجنة ، وأما التدبيج المشتمل على التورية ، وهي أن يكون للفظ معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد كقول الحريري : فمذ اغبر العيش الأخضر ، وصف العيش بالاخضرار كناية عن طيبه ونعومته وكماله ؛ لأن اخضرار العود والنبات يدل على طيبه ونعومته وكونه على أكمل حال ، فيكنى به عن لازمه في الجملة الذي هو الطيب والحسن والكمال ، والاغبرار كناية عن ضيق العيش ونقصانه ، وكونه في حال التلف ؛ لأن اغبرار النبات والمكان يدل على الذبول والتغير والرثاثة ، فيكنى به عن معنى هذا اللازم ، وأزور المحبوب الأصفر أي : مال عنى المحبوب الأصفر ، وفي هذا اللون وقعت التورية ، فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر هو الإنسان الموصوف بالصفرة المحبوبة ، وازوراره بعده عن

--> ( 1 ) البيت في رثاء محمد بن حميد الطوسي ، في ديوان أبى تمام ص ( 356 ) ، والإيضاح ص ( 291 ) .